المامقاني

237

غاية الآمال ( ط . ق )

نغمة أخرى وهي ان غير العربيّة من اللغات ليست لسانا ولا لغة لأن غير العرب أعجم والأعجم هو من لا لسان له بل حكى عنه بعض من تأخر ان إشارة الأخرس وان كانت كافية الا ان غير العربي لا يحكم عليه بما حكم به على إشارة الأخرس من الاجزاء ولا يخفى عليك ما في الوجوه المذكورة ضرورة انّ الأوّل يرتفع بالدّليل وهو قوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » وان توقيفيّة ألفاظ العقود ممنوعة كما تقدم ويعلم من اندفاع الأوّل اندفاع الاحتياط في الفروج وان الكناية بشيء من معانيها ومحتملاتها لا تصدق على العقد بغير العربيّة الا ان يفرض العاقد عربيا بحتا لا يفهم شيئا من ألفاظ العقد وهو خارج عن الفروض وان التأسّي انما يجب في معلوم الوجه وما كان ليس من قبيل الأمور العادية وان بطلان العقد بغير الماضي ليس بذلك الوضوح فهو أوّل الكلام مضافا إلى منع الأولويّة لأن غير الماضي بعيد عن معنى الإنشاء بخلاف غير العربي المستعمل في مقام الإنشاء على طبق قواعد تلك اللَّغة وامّا الوجه الأخير وما في ذيله فهو ممّا يلحق بالخرافات الا أن يكون المراد به انصراف الإطلاقات الواردة في المعاملات إلى المعهود الَّذي هو العربي وسيجئ الكلام عليه في المقام الثاني وزاد بعض الناس في المقام دعوى وهي ان عدم التعرض في كلمات الأئمة ( عليه السلام ) وأخبارهم لاشتراط العربيّة انما هو من جهة بداهة الاشتراط وكونه من المسلمات ولا يخفى عليك انه معارض بدعوى ان عدم التعرّض انّما هو من جهة بداهة عدم الاشتراط وان وقوعه من أهل العصمة واتباعهم ( عليه السلام ) بالعربية انما هو من جهة كونها لسانهم فكل صاحب لسان يجزيه إيقاع العقد بلسانه فلم يبق في المسئلة الا نفى الخلاف في كلام الشيخ ودعوى عدم الانعقاد عند علمائنا في عبارة ( التذكرة ) ونفى الرّيب عن عدم الصحّة بغير العربيّة في حاشية المحقق الثاني ( رحمه الله ) على ( الشرائع ) ولولا استنادهم إلى الوجوه المذكورة كانت هذه الدّعاوي الثلاثة قويّة الا ان علمنا بمستندهم فيها أورثها الوهن ومع ذلك فلا ينبغي مخالفتهم مع كون المورد ممّا هو مورد الاحتياط هذا وامّا قول ابن حمزة ( رحمه الله ) فقد عرفت انه لم يتعرض هو لدليله ولكن جماعة ممن حكوا خلافه في المسئلة بينوا لقوله مستندا فمنهم الشّهيد الثاني ( قدس سره ) في ( الروضة ) حيث قال وقيل إن ذلك مستحب لا واجب لان غير العربيّة من اللغات من قبيل المترادف فيصح ان يقام مقامه ولان الغرض إيصال المعاني المقصودة ثم قال وهما ممنوعان أقول ليتهم استدلوا لقوله ( رحمه الله ) بما دلّ على وجوب الوفاء بالعقود وهذا كلَّه بالنّسبة إلى جنسه الذي هو جواز إيقاع العقد بغير العربيّة وامّا استحباب اختيار العربيّة فلعلَّه مبنىّ على حسن الاحتياط أو التبرك بألفاظ النّبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الثاني في عقد البيع وقد عرفت ان المحقق الثاني والشّهيد الثاني ( قدس سرهما ) اعتبرا اشتراط العربيّة في كل عقد لازم وحكى مثله عن كنز العرفان فالمقصود هو ان عقد البيع لا اختصاص له من بين العقود اللَّازمة بالشّرط المذكور ويجرى هنا جميع ما ذكرناه في اعتبار العربيّة في عقد النكاح في المقام السّابق عدا الاحتياط في أمر الفروج ودعوى عدم الخلاف من الشّيخ ( قدس سره ) وعدم الوقوع بغير العربيّة عند علمائنا من العّلامة ( قدس سره ) في ( التذكرة ) ونفى الرّيب في كلام المحقق الثاني ( قدس سره ) في حاشية ( الشرائع ) لأن كثيرا ممّن اعتبر العربيّة في النكاح سكت عن اعتبارها هنا والوجوه المذكورة قد عرفت ما فيها والاتفاق ونفى الخلاف غير قائمان هنا ولكن مع ذلك قال بعض المعاصرين هنا لا نعرف خلافا في اعتبار العربيّة مع القدرة عليها فعلا للأصل لا للتأسّي ولا لأن العقد بغير الماضي غير صحيح مع أنه عربيّ اتفاقا فغير العربي أولى بذلك لوضوح توجّه المنع إليهما وربّما يحتمل الصحّة بدونها بل ربما صار إليها بعض من تأخر كما في ( الحدائق ) وغيرها للأصل والعمومات كتابا وسنة لصدق البيع بل والعقد بدونها قطعا بل وإجماعا ظاهرا لإطلاق الأصحاب وقلة المصرّح باشتراطها بل لم يوجد المصرّح به قبل الثانيين كما قد يظهر من مفتاح الكرامة والإجماعات على اعتبارها في صيغة النكاح مع تسليمه غير قاض باعتبارها في البيع ونحوه بل عن ابن حمزة انّها غير معتبرة فيه لان غير العربي صريح مرادف له فيجتزي به فيه فلا تعتبر عنده هنا بطريق أولى الا ان المانع للجميع مستظهر بل قد يدعى انصراف العمومات إلى العربيّة لأنّها هي المعهودة عند المخاطبين بها أو لعدم معلوميّة صدق العقد بل والبيع على غيرها بناء على انّهما اسم للصّحيح أو ( مطلقا ) بناء على ركنية العربيّة كأصل اعتبار اللَّفظ فيه وعلى ان الركن ممّا يتوقف عليه صدق الاسم عرفا فتدبّر وأولى بذلك عبارات الأصحاب سيّما ما كان ظاهرها الحصر بالألفاظ العربيّة بل قد يستظهر منهم اعتبارها كما عن العميدي والمقداد النّص عليه أيضا بل في الكنز النّص عليها في كلّ عقد لازم ولعلّ غيره ( كذلك ) أيضا فلاحظه ولعل إهمال الأكثر التصريح بها انما هو لمعلوميّتها أو للاستغناء عنها بذكر الصيغة الخاصّة التي لا يتعدى منها إلى مرادفها من العربيّة فكيف يتعدى منها إلى مرادفها من غيرها فتأمّل جيدا واللَّه اعلم ثم قال وامّا مع العجز عنها فعلا ولو مع إمكان التعلم المتيسر عليه حال الحاجة إليها فلا نعرف خلافا في الاجتزاء بغيرها كما اعترف به بعضهم بل عن كشف اللثام الذي قطع به الأصحاب انه يجوز بغيرها للعاجز عنها ولو بالتّعلم بلا مشقة ولا فوت غرض ولعلَّه الحجّة مضافا إلى فحوى الاكتفاء بإشارة الأخرس مع العسر والحرج بل وللإطلاقات المقتصر على خروج القادر على العربيّة فعلا عنها إذ لا نص على اعتبارها كي يتمسّك بإطلاقه إلى غير ذلك ممّا يقضى بعدم اعتبار العجز عن التوكيل كما نص عليه كثير منهم الا ان الجميع محل نظر ولعله لذا مع أصالة عدم السّببيّة لذلك ( مطلقا ) وانما الثابت في الجملة قيل باعتبار العجز عن التوكيل كما عن بعضهم لانّه القدر المتيقن وما في مفتاح الكرامة من أنه مدفوع بالأصل في غير محلَّه بل مقتضى ذلك ( أيضا ) اعتبار العربيّة الصّحيحة مادة وهيئة وإعرابا وبناء مع الاختيار ومع الضّرورة يجزي غيرها أيضا كما عن صيغ العقود وغيرها هذا كلامه وفيه مواقع للنّظر أحدها انّه نفى الخلاف عن اعتبار العربيّة مع القدرة عليها فعلا مع أن حكم عقد البيع الَّذي عليه الكلام سكوت عنه في كلمات كثير منهم بل أكثرهم بل لم يصرّح باشتراطها هنا أحد قبل المحقق الثاني والشّهيد الثاني وقد اعترف به هو أيضا فكيف ينفى الخلاف عن اعتبار العربيّة في حق المتمكَّن فعلا لكن الإنصاف انه يمكن الجواب بان تحقق الخلاف يتوقف على وجود المصرّح به وليس هنا مصرّح بالخلاف بل الفقهاء ( رضي الله عنه ) هنا بين فريقين ساكت وناطق باعتبار العربيّة فصحّ انا لا نعرف الخلاف في اعتبارها في مفروض المسئلة نعم لو كان قد ادعى الاتفاق كان الإيراد ( حينئذ ) متجها عليه من جهة سكوت جماعة كثيرة وانه لا يتحقق الاتفاق مع السّكوت الثاني ان دعوى انصراف العمومات إلى العربيّة لكونها هي المعهودة عند المخاطبين مما لا وجه له لانّ انصراف العقد إلى العقود الواقعة بلسانهم وانصراف البيع إلى البيوع الواقعة بلغتهم انما هو من قبيل التشكيك الابتدائي الَّذي لا عبرة به كما في انصراف لفظ الماء في بلد واقع على شاطئ الفرات إليه فانصرافه في بلد واقع على شاطئ دجلة إلى مائها فهل ترى ان أحدا من سكان بغداد مثلا لو طلب من عبده